حيدر حب الله

422

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

1 - إنّهم قد يكونون استندوا إلى عمومات إحياء الأمر ، وليس إلى اعتقادهم بخصوصيّة صفر ، أو أنّهم وجدوا سيرة الناس على ذلك فأقرّوا هذه السيرة ؛ كونها توافق المصالح المذهبيّة والمقاصديّة والشعائريّة العامّة ، الأمر الذي يسمح بالتغاضي عن إشكاليّة الكراهة الأوليّة في لبس السواد ، ومن ثم لن تكون هذه السيرة دليلًا بنفسها ولا بكاشفٍ عن دليل مستقلّ غير ما سيأتي من أدلّة . 2 - إنّ الناقد الموقّر نفسه قال بأنّها - لا أقلّ - تعطي احتمال وجود سيرة متشرّعية متصلة بعصر النصّ ، لكن من الواضح - كما درسنا جميعاً في أصول الفقه - أنّ احتمال السيرة المتشرّعية لا يفيد شيئاً في مقام إثبات حكمٍ شرعي ، بل لابدّ للسيرة أن تكون ثابتة ، ولهذا ذكر السيد محمّد باقر الصدر رحمه الله في بحوثه الأصوليّة طرقاً عدّة لإثبات السيرة المتشرعيّة في عصر النصّ ، وعليه فلا يكفي احتمال السيرة ، لا لإثبات حزنيّة شهر صفر بنفسه ، ولا لرفع كراهة لبس السواد لو كانت الكراهة الأوليّة ثابتة فيه ؛ فإنّ تخصيص العام أو تقييد المطلق لا يكون بالدليل المحتمل ، كما هو واضح . 3 - أضف إلى ذلك أنّنا نحرز عدم وجود سيرة متصلة بزمن النبي وأهل بيته ، فلم يذكر أيّ مؤرّخ ولا محدّث على الإطلاق - فيما بدا لنا - أنّ الشيعة في القرون الثلاثة الهجريّة الأولى كانت تعيش الحزن في شهر صفر كلّ عام ، وأنّهم كانوا يرتدون السواد ولو في بيوتهم ويتداعون له ، ولم يُشر أيّ فقيهٍ إلى هذا الموضوع إطلاقاً ليخصّص أو يقيّد به أدلّة كراهة لبس السواد ، أو يفتي بموجبه باستحباب الحزن في هذا الشهر بخصوصه ، بحيث تكون له ميزة على سائر الشهور ، فكيف ندّعي احتمال الاتصال في السيرة ، رغم خفاء كلّ هذه المؤشرات التاريخية والحديثية والفقهيّة عبر مدّة تزيد عن ثلاثة عشر قرناً تقريباً ؟ ! وهل